السؤال

هل يشرع دعاء قنوت الوتر في جميع رمضان بل والسنة أو في نصف رمضان الأخير فقط ؟

الجواب

اختلف العلماء –رحمهم الله تعالى- في هذه المسألة على مذاهب والراجح أنه يشرع قنوت الوتر في جميع السنة ، وهو مذهب الحنفية ، ووجه عند الشافعية قال عنه النووي في المجموع (3/510) : (ووجه ثالث أنه يستحب في الوتر في جميع السنة ، وهو قول أربعة من كبار أصحابنا ، أي : عبد الله الزبيري ، وأبي الوليد النيسابوري ، وإبي الفضل بن عبدان ، وأبي منصور بن مهران ، وهذا الوجه قوى في الدليل) . وهو مذهب الحنابلة .
والسنة أن يترك القنوت أحياناً .
ورجحت هذا المذهب للأدلة الآتية :
الدليل الأول : عن الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ -رضي الله عنهما- قَالَ : ((عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ : اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ ، إِنَّكَ تَقْضِى وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ ، وَإِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ ، وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ ))(رواه أبو داود رقم (1427) ، والنسائي رقم الحديث (1756) ، والإمام أحمد في مسنده رقم الحديث (1727) . وصححه النووي في المجموع (3/496) ، والشيخ الألباني في صحيح أبي داود (5/168) وقال : (حديث صحيح ، وصححه ابن خزيمة ، وابن حبان ، وحسنه الترمذي ) ) .
وجه الاستدلال : أن النبي صلى الله عليه وسلم علم الحسن هذا الدعاء في قنوت الوتر ولم يخصه بوقت دون وقت ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، والحاجة هنا قائمة لأنه موطن تعليم ، فدل هذا على مشروعية القنوت طوال السنة .
الدليل الثاني : عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لاَ أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ))(رواه أبو داود رقم (1429) ، و ابن ماجه رقم الحديث (1235) . وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (5/169) ) .
الدليل الثالث : عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ –رضي الله عنه- : (( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُوتِرُ فَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ ))( رواه ابن ماجه رقم الحديث (1172) ، والنسائي رقم الحديث (1710) . وصححه الشيخ الألباني في أصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم (3/968) ) .
وجه الاستدلال من الحديثين : أنه ليس فيهما تقييد لدعاء القنوت بوقت دون وقت ، وعليه فإنه يشرع في جميع السنة .
وأما قولي بأن السنة أن يترك القنوت أحياناً لأنه قد وردت أحاديث كثيرة في إيتاره صلى الله عليه وسلم كأحاديث عائشة وابن عباس –رضي الله عنهم- وغيرها وقد مرت معنا وليس فيها ذكر القنوت مطلقاً ، فالجمع بينها أنه صلى الله عليه وسلم كان يقنت أحياناً ويترك أحينا ، ولا يعارض هذا ما ذكرناه من مشروعية القنوت جميع السنة ، لأن القنوت من جملة الدعاء فإن فعله جميع السنة فمشروع ، وإن فعله أحيناً وتركه أحياناً فقد أصاب السنة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى - في مجموع الفتاوى (22/271) : (وحقيقة الأمر أن قنوت الوتر من جنس الدعاء السائغ في الصلاة من شاء فعله ومن شاء تركه … وإذا صلى بهم قيام رمضان فإن قنت في جميع الشهر فقد أحسن ، وإن قنت في النصف الأخير فقد أحسن ، وإن لم يقنت فقد أحسن ) . انتهى .
فإن قيل : قد ثبت عن عبد الرحمن بن عبد القاري : (( … فقال عمر : والله إني أظن لو جمعنا هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثم عزم عمر على ذلك وأمر أبي بن كعب أن يقوم لهم في رمضان ، فخرج عمر عليهم والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر : نعم البدعة هي والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون - يريد آخر الليل - ، فكان الناس يقومون أوله ، وكانوا يلعنون الكفرة في النصف ))(رواه ابن خزيمة في صحيحه (2/155) رقم الأثر (1100) ، وقال الشيخ الألباني : إسناده صحيح ) .
وعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ –رضي الله عنهما- : ((أَنَّهُ كَانَ لاَ يَقْنُتُ إِلاَّ فِي النِّصْفِ الثاني مِنْ رَمَضَانَ ))(أخرجه عبد الله في مسائله عن أبيه (96) ، وابن أبي شيبة في المصنف (2/305) بإسناد صحيح ) .
جوابه :
الجواب الأول : ليس في الأثر الأول أنهم لم يقنتوا إلا في النصف الأخير ، وليس فيه كذلك القنوت في النصف الأخير فقط ، بل فيه الدعاء على الكفرة في النصف الأخير ، فلا يوجد في الأثر نفي القنوت في النصف الأول ، فلا يصح الاستدلال به .
الجواب الثاني : لو سلمنا جدلا في الأثر الأول أنهم لم يقنتوا في النصف الأول فلا يلزم منه عدم مشروعيته ، وكذا يقال في الجواب على أثر ابن عمر –رضي الله عنهما- لأنه قد أثبتنا بالأحاديث المرفوعة ثبوت القنوت من غير تقييد بوقت دون وقت ، فعدم فعل الشيء من بعض الصحابة لا يستلزم عدم مشروعيته .
الجواب الثالث : أنه ثبت عن غيرهم من الصحابة خلاف ذلك ، فقد ثبت عن بعض الصحابة والتابعين ترك القنوت في الوتر طوال السنة ، وثبت عن آخرين القنوت في الوتر طوال السنة(ينظر : مصنف ابن أبي شيبة (2/97-100) ، ومختصر قيام الليل للمروزي ص (135-136) ، ومجموع الفتاوى (22/271) ، وأصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم للألباني (3/970) ) ، فيرجع في الخلاف إلى ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما بينته لك من أنه كان يقنت أحياناً ويدع أحياناً أخرى . والله أعلم .
قال الترمذي في سننه (2/329) : (وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ فَرَأَى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا وَاخْتَارَ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَقُ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ ) .
تنبيه : آثار ضعيفة :
هناك بعض الآثار الضعيفة قد يستدل بها في هذه المسألة أحببت أن أنبه عليها فهي لا تصلح للاستدلال لكلّ من الفريقين ، وهي :
الأثر الأول : عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ : ((أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَمَّهُمْ - يَعْنِى فِي رَمَضَانَ - وَكَانَ يَقْنُتُ فِي النِّصْفِ الآخِرِ مِنْ رَمَضَانَ))( رواه أبو داود رقم الأثر (1430)).

وهذا الأثر إسناده ضعيف لجهالة من روى عنهم محمد بن سيرين ، وضعفه الزيلعي ونقله عن النووي(ينظر : نصب الراية (2/126) ) .

الأثر الثاني : عَنِ الْحَسَنِ : (( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَكَانَ يُصَلِّي لَهُمْ عِشْرِينَ لَيْلَةً ، وَلاَ يَقْنُتُ بِهِمْ إِلاَّ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي ، فَإِذَا كَانَتِ الْعَشْرُ الأَوَاخِرُ تَخَلَّفَ فَصَلَّى فِي بَيْتِهِ فَكَانُوا يَقُولُونَ : أَبَقَ أُبَيٌّ ))(رواه أبو داود رقم الأثر (1431) . أبق : هرب ) .
وهو أثر إسناده ضعيف ، لأن الحسن البصري لم يدرك عمر –رضي الله عنه- ، وضعفه الزيلعي في نصب الراية (2/126) ، وقال الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود (2/82) : (إسناده ضعيف ؛ لانقطاعه بين الحسن- وهو: البصري- وعمر . وضعفه النووي والزيلعي) .
روى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال : ((كان أُبَيّ يقوم للناس على عهد عمر في رمضان فإذا كان النصف جهر بالقنوت بعد الركعة ، فإذا تمت عشرون ليلة انصرف إلى أهله وقام للناس أبو حليمة معاذ القارئ ، وجهر بالقنوت في العشر الأواخر حتى كانوا مما يسمعونه يقول : اللهم قحط المطر ، فيقولون : آمين ، فيقول : ما أسرع ما تقولون آمين دعوني حتى أدعو ))(رواه عبد الرزاق في المصنف رقم (7724). ) .
إسناده ضعيف بسبب انقطاعه لأن ابن سيرين لم يدرك زمن عمر –رضي الله عنه- .
الأثر الثالث : قال ابن أبي شيبة حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرِِ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : (( كَانَ عَبْدُ اللهِ لاَ يَقْنُتُ السَّنَةَ كُلَّهَا فِي الْفَجْرِ ، وَيَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ كُلَّ لَيْلَةٍ قَبْلَ الرُّكُوعِ ))قَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَذَا الْقَوْلُ عِنْدَنَا .
(رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (2/100) رقم (6941) ) . وهذا الأثر ضعيف لأن في إسناده أشعث بن سوار وهو ضعيف( ينظر : تقريب التهذيب (1/113) رقم (524) ، وتهذيب الكمال (3/264) رقم (524) ) .
وضعفه الشيخ الألباني في إرواء الغليل (2/166).
والله أعلم .
ينظر : البحر الرائق (3/43) ، وبدائع الصنائع (1/273) ، ومجمع الأنهر (1/128) وروضة الطالبين (1/253) ، والمجموع (3/510، 520).